فخر الدين الرازي
41
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عكرمة ، وقيل غبطة لهم عن الضحاك . وقيل : حسنى لهم عن قتادة . وقيل : خير وكرامة عن أبي بكر الأصم ، وقيل : العيش الطيب لهم عن الزجاج . واعلم أن المعاني متقاربة والتفاوت يقرب من أن يكون في اللفظ . والحاصل أنه مبالغة في نيل الطيبات ويدخل فيه جميع اللذات ، وتفسيره أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم . والقول الثالث : أن هذه اللفظة ليست عربية ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : طوبى اسم الجنة بالحبشية ، وقيل اسم الجنة بالهندية . وقيل البستان بالهندية ، وهذا القول ضعيف ، لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما واشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر . المسألة الثانية ، قال صاحب « الكشاف » : الَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ و طُوبى لَهُمْ خبره ، ومعنى طوبى لك أي أصبت طيبا ، ومحلها النصب أو الرفع ، كقولك طيبا لك وطيب لك وسلاما لك وسلام لك ، والقراءة في قوله : وَحُسْنُ مَآبٍ بالرفع والنصب تدلك على محلها ، وقرأ مكوزة الأعرابي ( طيب لهم ) . أما قوله : وَحُسْنُ مَآبٍ فالمراد حسن المرجع والمقر وكل ذلك وعد من اللّه بأعظم النعيم ترغيبا في طاعته وتحذيرا عن المعصية . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 30 ] كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ ( 30 ) اعلم أن الكاف في كَذلِكَ للتشبيه فقيل وجه التشبيه أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك في أمة قد خلت من قبلها أمم ، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ، وقيل : كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتبا تتلى عليهم ، كذلك أعطيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلما ذا اقترحوا غيره ، وقال صاحب « الكشاف » : كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ أي مثل ذلك الإرسال أَرْسَلْناكَ يعني أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات . ثم فسر كيف أرسله فقال : فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم فهي آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء . أما قوله : لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ فالمراد : لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ أي وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن الذي رحمته وسعت كل شيء وما بهم من نعمة فمنه ، وكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز عليهم / قُلْ هُوَ رَبِّي الواحد المتعالي عن الشركاء : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في نصرتي عليكم وَإِلَيْهِ مَتابِ فيعينني على مصابرتكم ومجاهدتكم قيل : نزل قوله : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ في عبد اللّه بن أمية المخزومي وكان يقول أما اللّه فنعرفه ، وأما الرحمن فلا نعرفه ، إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب فقال تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] وكقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ [ الفرقان : 60 ] وقيل : إنه عليه السلام حين صالح قريشا من الحديبية كتب : « هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه » فقال المشركون : إن كنت رسول اللّه وقد قاتلناك فقد ظلمنا . ولكن اكتب ، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه ، فكتب كذلك ، ولما كتب في الكتاب : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * قالوا : أما الرحمن فلا